فصل: تفسير الآيات (26- 28):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآية رقم (22):

{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22)}
{وَالَّذِينَ صَبَرُوا} على طاعة الله، وقال ابن عباس: على أمر الله عز وجل. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: عن الشهوات. وقيل: عن المعاصي.
{ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} طلب تعظيمه أن يخالفوه.
{وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً} يعني يؤدّون الزكاة.
{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يدفعون بالصالح من العمل السيئَ من العمل، وهو معنى قوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود- 114]. وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عملت سيئةً فاعمل بجنبها حسنةً تمحها، السِرُّ بالسر والعلانيةُ بالعلانية».
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجلٍ كانت عليه درعٌ ضَيّقَةٌ قد خنقته، ثم عَمِل حسنة، فانفكَّت عنه حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت أخرى، حتى يخرج إلى الأرض».
وقال ابن كيسان: معنى الآية: يدفعون الذنب بالتوبة.
وقيل: لا يكافئون الشَّر بالشِّر، ولكن يدفعون الشَّر بالخير.
وقال القتيبي: معناه: إذا سُفِهَ عليهم حَلِمُوا، فالسفَهُ: السَّيِّئَةُ، والحلمُ: الحسنة.
وقال قتادة: ردُّوا عليهم معروفا، نظيره قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان- 63].
وقال الحسن: إذا حُرِمُوا أعطوا، وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا، وإذا قُطِعُوا وصلوا.
قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة.
{أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} يعني الجنة، أي: عاقبتهم دار الثواب. ثم بيّن ذلك فقال: {جَنَّاتُ عَدْنٍ}.

.تفسير الآية رقم (23):

{جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23)}
{جَنَّاتُ عَدْنٍ} بساتين إقامة، {يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ}.
قيل: من أبواب الجنة. وقيل: من أبواب القصور.

.تفسير الآيات (24- 25):

{سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)}
{سَلامٌ عَلَيْكُمْ} أي: يقولون سلام عليكم.
وقيل: يقولون: سلَّمكم الله من الآفات التي كنتم تخافونَ منها.
قال مقاتل: يدخلون عليهم في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرَّات، معهم الهدايا والتحف من الله عز وجل، يقولون سلام عليكم، {بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن بقية بن الوليد، حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متّكئًا على أريكته إذا أدخل الجنة، وعنده سِمَاطَان من خَدَمٍٍ، وعند طرف السِّماطين باب مبوَّبٌ. فيُقْبِلُ مَلَك من ملائكة الله يستأذن، فيقوم أقصى الخدم إلى الباب، فإذا هو بالمَلك يستأذن، فيقول للذي يليه: مَلَك يستأذن ويقول الذي يليه للذي يليه مَلَك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا له، فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له فيدخل، فيسلم ثم ينصرف.
{وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} هذا في الكفار. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} أي: يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض. وقيل: يقطعون الرحم.
{وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ} أي: يعملون بالمعاصي، {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} يعني: النار، وقيل: سوء المنقلب لأن منقلب الناس دُورُهم.

.تفسير الآيات (26- 28):

{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)}
قوله عز وجل: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي: يُوسِّع على من يشاء ويُضيقُ على من يشاء.
{وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني: مشركي مكة أَشروا وبَطَروا، والفرح: لذة في القلب بِنَيْل المشتهى، وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام.
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ} أي: قليل ذاهب. قال الكلبي: كمثل السُكرجةِ والقَصعة والقدَح والقِدرِ ينتفع بها ثم تذهب.
{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا} من أهل مكة، {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي: يهدي إليه من يشاء بالإنابة. وقيل: يرشدُ إلى دينه من يرجع إليه بقلبه.
{الَّذِينَ آمَنُوا} في محل النصب، بدل من قوله: {من أَنَابَ}، {وَتَطْمَئِنُّ} تسكن، {قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} قال مقاتل: بالقرآن، والسُّكون يكون باليقين، والاضطراب يكونُ بالشك، {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيها اليقين.
قال ابن عباس: هذا في الحَلِفِ، يقول: إذا حلف المسلم بالله على شيء تسكن قلوبُ المؤمنينَ إليه.
فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِر اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال- 2] فكيف تكونُ الطمأنينةُ والوَجَل في حالةٍ واحدةٍ؟
قيل: الوَجَل عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله وثوابه وكرمه.

.تفسير الآية رقم (29):

{الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29)}
{الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ابتداءٌ، {طُوبَى لَهُمْ} خبره.
واختلفوا في تفسير {طُوبَى}.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَرَحٌ لهم وقُرّةُ عين.
وقال عكرمة: نِعْمَ مالهم.
وقال قتادة: حسنى لهم.
وقال معمر عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل: طوبى لك، أي: أصبت خيرا.
وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة.
وقال الفراء: أصله من الطيب، والواو فيه لضمة الطاء، وفيه لغتان، تقول العرب: طوباك وطوبى لك أي: لهم الطيب.
{وَحُسْنُ مَآبٍ} أي: حسن المنقلب.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية.
قال الربيع: هو البستان بلغة الهند.
وروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قالوا: طوبى شجرة في الجنة تُظِلُّ الجنانَ كلها. وقال عبيد بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل دار وغرفةٍ غصن منها لم يخلق الله لوناً ولا زهرةً إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق الله تعالى فاكهةً ولا ثمرة إلا وفيها منها. تنبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل.
قال مقاتل: كل ورقة منها تُظِلُّ أمة عليها مَلَكٌ يُسبِّح الله عز وجل بأنواع التسبيح.
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طوبى؟ قال: «شجرةٌ في الجنة مسيرة مائة سنة، ثيابُ أهل الجنة تخرجُ من أكمَامِها».
وعن معاوية بن قُرّة عن أبيه يرفعه: «طوبى شجرةٌ غرسها الله تعالى بيده، ونفخَ فيها من رُوحه، تنبت الْحُلِيَّ والحُلَل وإن أغصانها لَتُرى من وراء سُور الجنة».
أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زيادٍ مولى بني مخزوم، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إنّ في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلِّها مائة سنةٍ لا يقطعها اقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} [الواقعة- 30] فبلغ ذلك كعباً فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، لو أنّ رجلا ركب حقّةً أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هَرِماً، إن الله تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من رُوحه، وإنّ أفنانها لمن وراءِ سور الجنة، ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة.
وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله عز وجل لها: تفتَّقِي لعبدي عما شئت فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء، يفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما شاء وعن الثياب.

.تفسير الآية رقم (30):

{كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30)}
قوله عز وجل: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ} كما أرسلنا الأنبياء إلى الأمم أرسلناك إلى هذه الأمة، {قَدْ خَلَتْ} مضت، {مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ} لتقرأ، {عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}.
قال قتادة، ومقاتل، وابن جريج: الآية مدنية نزلت في صُلح الحديبية، وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: اكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم»، قالوا: لا نعرف الرّحمن إلا صاحب اليمامة- يعنون مسيلمة الكذاب- اكتب كما كنتَ تكتب: «باسمك اللهم»، فهذا معنى قوله: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}.
والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحِجْر يدعُو يا الله يا رَحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إن محمداً يدعو إلهين؛ يدعو الله، ويدعو إلهاً آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء- 110].
وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن؟ قال الله تعالى: {قُلْ} لهم يا محمد إنَّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته، {هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} اعتمدتُ {وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي: توبتي ومرجعي.

.تفسير الآية رقم (31):

{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)}
قوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} الآية. نزلت في نفر من مشركي مكة؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية؛ جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فقال له عبد الله بن أبي أمية: إن سرَّك أن نتبعك فسيِّر جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، لنغرس فيها الأشجار ونزرع، ونتخذ البساتين، فلستَ كما زعمت بأهون على ربك من داود عليه السلام حيث سخَّر له الجبال تُسبح معه، أو سخِّر لنا الريحَ فنركبَها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ونرجع في يومنا، فقد سُخرت الريحُ لسليمان كما زعمتَ، ولستَ بأهون على ربك من سليمان، وأَحْيِ لنا جدَّك قُصَيّاً أو مَنْ شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن أمرك أحقٌّ ما تقول أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولستَ بأهون على الله منه فأنزل الله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} فأذهبت عن وجه الأرض، {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ} أي: شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} واختلفوا في جواب {لو}:
فقال قوم جوابه محذوف، اكتفى بمعرفةِ السامعين مرادَه وتقديره: لكان هذا القرآن، كقول الشاعر:
فأقسم لو شيء أتانا رسوله ** سواك ولكن لم نجد لك مدفعا

أراد: لرددناه، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم.
وقال آخرون: جواب لو مقدَّم. وتقدير الكلام: وهم يكفرون بالرحمن {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} كأنه قال: لو سيرت به الجبال {أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} لكفروا بالرحمن ولم يؤمنوا، لما سبقَ من علمنا فيهم، كما قال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [الأنعام- 111] ثم قال: {بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا} أي: في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
{أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} قال أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم. قال الكلبي: هي لغة النَّخَع.
وقيل: لغة هوازن، يدل عليه قراءة ابن عباس: {أفلم يتبين الذين آمنوا}.
وأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم، وزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول: يئست، بمعنى: علمت، ولكن معنى العلم فيه مضمر.
وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل: {أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان هؤلاء، أي لم ييئسوا علما، وكلُّ مَنْ علم شيئاً يئس من خلافه، يقول: ألم ييئسهم العلمُ: {أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا}.
{وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا} من كفرهم وأعمالهم الخبيثة {قَارِعَةٌ} أي: نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء، أحياناً بالجدب، وأحياناً بالسلب، وأحياناً بالقتل والأسر.
وقال ابن عباس: أراد بالقارعة: السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم إليهم.
{أَوْ تَحُلُّ} يعني: السرية والقارعة، {قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} وقيل: أو تحلُّ: أي تنزل أنت يا محمد بنفسك قريبا من ديارهم، {حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ} قيل: يوم القيامة. وقيل: الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه. {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله تسليةً لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ}.